top of page

قِصَّة قَصِيرَة: خُبْز دَامِي-باطومي ايول

قِصَّة قَصِيرَة

خُبْز دَامِي

بَعْد شهْريْنِ مِن اِسْتمْرار الحرْب تمامًا ، خرج اَلعَم ، بَعْد أن وَشَّح نَفسَه بِملابس مُقَدسَة بِحكْم عَملِه بِالْكنيسة اَلتِي ظَلِلنَا نُؤدِّي فِيهَا فَرِيضَة الصَّلَاة كُلَّ يَوْم الأحد ، فقبْل خُروجه كان فِي غُرْفته الخاصَّة ونحْن فِي الخارج نَتَبادَل أَطرَاف اَلحدِيث عن وَاقِع الظُّروف اَلتِي نعيشه الآن .

أَثنَاء ذَلِك كُنَّا نَسمَع إِلى هَمَسات صَوتِية بَعِيدَة ومتقطِّعة ، وَهذَا مَا دفعنَا إِلى النَّظر بِاسْتراق فُضُول لِمعْرِفة مَا يَجرِي بِالضَّبْط فِي الدَّاخل لِنعْرف مع من يَتَحدَّث عَمِّي ، إِذ كُنَّا نَخشَى بِأن يُصيبه اَلمَس ، بِسَبب هَذِه الحرْب اللَّعينة ومَا يُمْكِن أن يُسَببَه مِن ضَغْط نَفسِي ، بِرَغم أَننَا اِعْتدْنَا لِممارساته وَطقُوسه الصَّباحيِّ ، بَعْد مُضِي اللَّيْل ، هَذِه المرَّة مُنْذ الصَّبَاح ، بَعْد أن اِحْتسيْنَا الشَّاي بِنكْهة شَجرَة اللَّيْمون اَلتِي تَتَوسَّط حَوشُنا ، إِذ لَم يَعُد بِمقْدور أيِّ أحد الذَّهَاب إِلى السُّوق لِيبْتَاع رفاهيات ، كماليَّات طُقوسِنَا الصَّباحيَّ فِي اِحتِساء الشَّاي .

بَعْد أن وجدْنَا فُرصَة خِلْسَا ، لَم يَكُن يَدرِي أَننَا نُشاهِده وَكَّل مَا يَقُوم بِه ، كان راكعًا بِخْشو ، وأياديه إِلى أَعلَى وَوجَّه إِلى سَقْف الحائط كأنَّمَا يَنظُر ويتحَدَّث إِلى شَخْص مَا ، عرفْنَا أَنَّه " أيْ عَمنَا " يُصلِّي ، ولطالمَا ظِلُّ مُواظِبًا ، لَكِن هَذِه المرَّة كان مُخْتلِفًا ، فَكُلنَا نودُّ إِيصَال صوْتنَا اَلقدِير ، كُنَّا نَتَمنَّى أن يَستَمِع إِلى دعواتنَا اَلذِي كُنَّا لا نَعلَم مَا يَطلُبه عَمنَا بِالضَّبْط ، لَكِننَا كُنَّا نَأمُل بَعْد الصَّلَاة بِقليل نَتَوقَّع أن تَهدَأ دَوِي البنادق قليلا ، هَذِه الحرْب اللَّعينة اَلتِي عَطَّل حَيَاتنَا ولم نُعِد نَفعَل شيْئًا .

لَكنَّه جثَا على وَجهِه ، فأحْسسْنَا رُبمَا يَكشِف أَمرُنا ، فتراجعْنَا قليلا وَبهُدوء حَتَّى لَا نُسبِّب لَه أيًّا تَشتُّت يُوقفه مِن هذَا التَّواصل الرُّوحيِّ ، عُدنَا وَجَلسنَا على كراسيِّنَا تَحْت شجر اللَّيْمون مِن النَّاحية الشَّرْقيَّة وَعلَى طرف الآخر شَجرَة النِّيم اَلتِي كان مَسْكَنا لِبَعض الطُّيور التَّائه اَلتِي لَم تَعُد تَأتِي بِذَات الفوْج ، حَيْث اِعْتَاد عَمنَا اَلجُلوس ، وسط عبْثاتنَا فَجأَة سُمعَنا وقع إِقدَام نعْرفهَا جيِّدًا أَنَّه هُو مُرْتدِيًا مَلابِسه المقدَّسة الكنسيَّة ، وصليبًا كَبِيرَة مُتَدليَة على صَدرِه ويرْتَدي نَظَّارة طِبِّية كَبِيرَة كمَا اِعْتدْنَا نَرَاه فِي وَجْه ، وَفِي يَدِه كِتابه اَلمُقدس .

وَقْف أَمَامنَا ولاحظْنَا أَنَّه قد زاد طُولُه بِقليل ، وجدْنَا أَنفُسنا نَقِف أمامه ، فَقَال لَنَا أراكم مُحْتاجين لِلرَّغِيف فقد نِمْتم بِلَا أَكْل أَمْس ، أَنتُم بِحاجة لِشَيء تَأكُلوه الآن ، دُونمًا نَشعُر أوْمأْنَا بِرؤوسنَا تَأكِيد لِصحَّة مَا كلامه ، فَقَال لَنَا حسنًا ، تروْنَني أَرتَدي هَذِه الملابس المقدَّسة ، لِستِّ ذاهبًا إِلى الهيْكل لِإدارة أيِّ خِدْمَة بل اِرْتديْته بحْثًا عن مَخبِز لِأبْتَاع لَكُم بَعْض الأرْغفة ، رُبمَا سَوْف أَجِد اِحْترامًا وتقْديرًا مِن تِلْكم اَلجُنود المسْعورة الَّذين مَا بُرهَة وَإلَّا قُتلوا مِن يَجدُونه فِي اَلطرِيق .

كُنَّا مُتأكِّدين أَنَّه بِحكْم مَوقعِه كَرجُل دِين لَن يُصيبه أيُّ مَكرُوه خَاصَّة أَنَّه خرج مِن اَلغُرفة لِتَوه بَعْد حديث رُوحيٍّ طويل مع الخالق ، عَلِمنَا بَعْد ذَلِك أَنَّه رَكِب سيَّارَته وَخرَج بِهَا ، بِرَغم المعْلومات المؤكَّدة أنَّ تِلْكم اَلجُنود المسْعورة ظَلَّت طَوَال الشَّهْريْنِ الماضييْنِ يرْهبون أيُّ شَخْص يَقُود سيَّارَته لِيأْخذوهَا وَهذَا مع حدث بِالضَّبْط مع جارنَا المتواضع صَاحِب مُغلَق " الرَّحْمة " لِموادِّ البنَاء والْأدوات الكهْربائيَّة وأيْضًا لِصاحب صَيدلِية " لِوَجه اَللَّه " لِلْمسْتلْزمات الطِّبِّيَّة ، كُنَّا قلقين بِمَا سَوْف يَحدُث لِلْعمِّ ، وَلكِن كُنَّا مُطْمئنِّين بِأنَّ حَدِيثَه الرُّوحيَّ وملابسه المقدَّسة عَلامَة رَجَاء وإجابة كَافِية أَنَّه سَوْف يَعُود وَهُو يَقُود سيَّارَته سالمًا حاملا مع خُبْز بَعْد أن مكثْنَا بِضْعَة أَيَّام نَحلُم بِه ، لَم نَجِد فُرصَة حَتَّى نرى الشَّارع لِأنَّ تِلْكم اَلجُنود المسْعورة يتقاطعون هُنَا وهناك فِي كُلِّ الشَّوارع ، يبْحثون عن أَشيَاء لَا يُدَرونَه أَيْن مَخبئِها .

اِنْتظرْنَا لِساعة ولم يَرجِع اَلعَم ، فَقُلنَا لِأنْفسنَا إِنَّه سَيأتِي وَمعَه خُبْز وَرُبمَا معه أَشيَاء أُخرَى نحْبهَا ، غاب أيْضًا السَّاعة الثَّانية ، نَتَوقَّع أن نَسمَع صَوْت مُنَبها السَّيَّارة ( اَلبُوري ) كمَا اِعْتدْنَا ، آذانًا بِفَتح اَلْباب وَلكِن يُخَيبنَا الظُّروف مَرَّة أُخرَى لِساعة الثَّالثة بَعْد خُروجه والْوَقْتُ يَمضِي والْجوع يَقتُلنا بل التَّفْكير فِي غِيَاب اَلعَم يُزْعجنَا لِدرجة أَننَا لَم نُعِد نُفكِّر فِي اَلخُبز ، فَقُلنَا لِأنْفسنَا لِمَا لَا نَذهَب إِلى الدَّاخل ونفْعل كمَا فعل اَلعَم راكعًا ، وأياديه إِلى أَعلَى ، ونهمهم كمَا كان يَفعَل وَهُو يَنظُر إِلى سَقْف الحائط ونتحَدَّث لِمن كان يَتَحدَّث إِلَيه بِثقة ، لِيقول لَنَا أَيْن هُو نسْأله عن سبب تَأخرِه بِخبْزِنَا ، أجلا كَانَت فِكْرَة جَيدَة وتمَّ قبولهَا ، فعلْناهَا كمَا كُنَّا نتخيَّلهَا وتحدَّثْنَا رُوحيًّا إِلى شَخْص لَا نَدرِي أَيْن هُو الآن ولَا نُظَراءَه قطُّ وَلَكننَا كُنَّا نَعلَم فِي لَحظَة مَا أَنَّه يَستَمِع إِليْنَا ، وجدْنَا أَنفُسنا فِي حديث عميق وبصوْت عظيم وبقلْب هُمَيم نَرفَع حديث الرُّوح ، فَجأَة سَمِعنَا صَوْت رَميَة حجر اِعْتقدْنَا أنَّ طَلقَة طَائِشة يَدُق بِحائط اَلغُرفة ، تَوَقفنَا عن حديث الرُّوح ونحْن مُتسقَان بِالْعِرْق ، ثُمَّ خرجْنَا مِن اَلغُرفة وَرائِينا رَجلَي شَخْص مِن أَسفَل اَلْباب وَخطُوط ظِلِّه يَتَحرَّك هُنَا هُنَاك ، سألْنَا قَبْل أن نَفتَح باب اَلمنْزِل لِيعْرفنَا مِن هُو ، وَلكِن بِصَوت قَوِي وحزين قال لَنَا ، أنَا اَلعَم ، وَعلَى طُول فتحْنَا اَلْباب نَنظُر إِلى أَيادِيه عسى يُكوِّن حاملا كِيس اَلخُبز ، وَلَكنَّه لِلْأسف كان فارغًا اليدَيْنِ حَتَّى كِتابة اَلمُقدس لَم يَعُد معه ، وملابسه مُتسقَة بِالتُّراب وصليبه اَلتِي كَانَت مُعَلقَة على رَقبَة ، أَصبَح حِباله مُقَطعَة تمامًا مُخَبئَة بِيَده ، حَافِي القدميْنِ ، حزين ، لَم يَعُد بِسيَّارته الجميلة اَلتِي ظلَّ معه طِوَال العشْر سَنَوات الماضية ، دخل اَلعَم وَهُو لََا يَتَحدَّث إِلى أيِّ شَخْص لَكنَّه مَرَّة أُخرَى اِخْتَار غُرفَتَه الخاصَّة وَذهَب لِذَات الهمْهمة ، وَهُو يَهمِس بِصَوت حزين ، فِي حديث رُوح جميل ، لَم نَسمَع سِوى كَلمَة " شُكْرًا " وَهُو يُرَدده كثيرًا ، كُنَّا فِي الخارج نَنتَظِر حَتَّى يُنْهِي حديثه اَلْخاص ، وبعْد بِضْع دَقائِق خرج مُبْتسِمًا بشوشًا مُسْتقِرًّا نفْسيًّا ، فَوَجدنَا أَنفُسنا نَتَحدَّث إِلَيه بِابْتسامة جَمِيلَة ، تناسيْنَا مَسْأَلة اَلخُبز ، والْجوع اَلذِي أَصبَح يَخدِش دَاخلِنا الآن ، سَألَه أَخِي اَلصغِير ، أَيْن اَلخُبز يَا عَمِّي ؟ فَرْد لَنَا اَلعَم بِرَغم عَجزِه عن تَقدِيم ردٍّ مُنَاسِب لَنَا لِأنَّ سبب خُروجه كان مِن أَجْل أن يَجِد رغيف أو شيٍّ نَأكُله ، لَكِن بِحضور ذِهْنِي غريبًا وَثقَة جَمِيلَة ردَّ اَلعَم قائلا " لَيْس بِالْخبْز وَحدِه يَحيَا الإنْسان يَا اِبْنِي .


باطومي ايول 11 / أُغسْطس / 2023 م / ربك


Batomi Ayul is South Sudanese - but connected to both Sudans -and was residing in Sudan when the war broke out. He moved from Khartoum to Rabak once the conflict arose. That is where he wrote this lyrical piece to express the ambivalence that accompanies inexplicable violence. This text conveys the quest for beauty against all odds.

13 views0 comments

Recent Posts

See All

"Watching our country burn bit by bit"*

On the 15th of April, 2023, a war broke out in my home country, Sudan. Two sides driven by hunger for power had left us all with nothing. Sudan's militia-the RSF-lead by Hamdan Dagalo, and the Army -l

Comments


bottom of page