top of page

عثمان عامر-من ادب الحرب

*من أدب الحرب*


كتب الأديب الأريب عثمان عامر بسودانايل، عن تجارب بعض ضحايا الحرب في اليوم الأول لعيد الأضحي/ الضحايا ٢٨ يونيو، و لسان حاله، علي نسق لسان ابن أبي سلمي:

رَأَيْتُ الْمَنايا خَبطَ عشواءَ من تُصب تُمِتْهُ وَمَنْ تُخطئ يُعَمَّرْ فَيَهْرَمِ، كحال بعضنا ممن نجوا بحياتهم و أرواحهم معلقة بوطنهم!


*الخُرُوج*


عثمان عامر

28 June, 2023


الخُروج من ملتقى النيلين، كان فِرَاراً لا مَفَرّ مِنهُ، بعد أن طَال أَمَدُ الحرب الهَوجاء التي بدأت في الأَوْجِ. فعصفت بالجنود والسكان ثم تَواترت فوق رأس شعب لم تفاجأه فَاجِئَةُ بَلاَءٍ مِثْلُها من قبل. في فجر ذاك اليوم، جئنا من أمكنة شتَّى، أنساب وأقارب، أسرة ممتدة من مطالع الطفولة حتى أقاصي الشيخوخة. ركبنا في جوف سيارة ضَيِّقة، ضِيق لايُطاق، لكأن مقاعدها صُنعتَ من مادة الإيلام. آخر الراكبات صعدن من أعالي ابروف، إيمان وأمها، التي تآزَرَ في رَفعِها لباب العربة شابات وشباب نضير، ومن فَرْطّ تفانيهم في مُساعدتهم ونجدتِهم، ظننتُهم أحفادها، لاحقاً عرِفتُ، أنهم أبناء وبنات الجيران المغاوير.

حين عبرنا مرمى الرصاص والقنابل، والطائرات القاذفة يتبعها صَليل الصواريخ الصاعقة التي تُصيب هدفها وتُصيب غير ماهَدفَت له. كنا قد نجونا من فَوضى إحتمالات الموت الوَشِيك، لكننا لم نَنجُ من حُرْقَةِ الإحساس بالهَوانِ الذي رَمتنا به هذه الحرب المُخجِلّة. حرب مثل حُلم أطول من تاريخنا، حين أفقنا من بعض أثقاله، كانت أطلال أمدرمان تَلوح وراءنا ثم إختفتَ، فإنتهتَ لحظات السعادة بالنجاة وإستحالت لدموع تُمسح في مهدها بحياءِ أو تجري في المآقي. حزن هائل سَاد قَسَمات الوجوه، حاول البعض أن يُداريِّه بتصنّع النوم، والبعض بالنظرِ لصحراء ليس فيها ماينظر اليه، خَلاءُ مَحْض ( كَأَنَّ لَوْن أَرِْضِه سََماؤُهُ)١، كأنه أَبدُ، بلا بدءّ أو مُنتهىَ.


داخل العربة، إمتزج التعب بالسَآمَةِ، وطوَّقنا إنكسار الروح حتى جَذَبتني خَطفَة من وَسَن، فسمعت - فيما يسمع النائم-، صوت، كأنه صوت محمود درويش، آتِ من جوف المفازة:


الكمنجات تبكي مع الغجر

الذاهبين الى الاندلس

الكمنجات تبكي على العرب

الخارجين من الاندلس


الكمنجات تبكي على

زمن ضائع لايعود

الكمنجات تبكي

على وطن ضائع قد يعود


إستيقظتُ مخلوعاً أعاينُ حولي، حتى تيقنتُ أن كل ماسمعتُ لم يكن سِوى إيهام الشعر وغِواية الشعراء.

الحقيقة الوحيدة الثابتة في هذه الصحارى المتحولة، هي طريق شريان الشمال. وهو للحقِ، مُنجّز مُقدَّر، يبدأ من امبده شمال امدرمان ويَشُقُّ الصحراء مبتعداً عن النيل حتى يلاقيه بجنب قنتي، وهي القرية التي ينزل اليها النيل بعد أوبته الغامضة من ابوحمد في الشمال، ليستعدل فيها ثم يجري ثانية صوب الشمال. النيل والصحراء تَلازَما مُنذ الأزل في جَدل البقاء والفَناء. للنيل في منابعه فُتُوّة وعظمة وجلال مُهيب. يجري بعدها مدفوعاً بزَخمِ الروافد والأودية الكثيرة المطيرة، التي تتناقص كلما سار شمالا، حتى تنتهي بنهر عطبره، آخر روافده الغزِيرة، وبعده يواصل مساره، (نبيل مُوفق)٢ في مسابه، دون إسناد من أي مدد ماء، يقاوم وحده عَصف الصحراء الكُبرى وتَمدُدُّها الجائِر.


أزيز مُحرِّك الحافلة، وهي تئن فوق أسفلت كاد يسيل من فَرْط القَيْظ، كان الصوت الوحيد الذي إستمر بعد أن هَاجَ ومَاجَ الأطفال وصرخوا ثم ناموا. وساد الصمت بعد أن نَفَدْتَ أحاديثنا وأخبارنا المُمِّلة المكرورة. أما الحَاجَّات العجائز، بأجفانِهن الناعِساتِ، فقد كُنَّ يُسَبِّحن بلا إنقطاع، ويُهمِسن بالدُعاءِ لنا للنجاةِ من مصائب الدنيا وغوائل الطُغاة، وبالدُعاءِ على مُشعلِيِّ نار الحرب بالوَيلِ والهلاك. لم أسمع ذلك، لكن هذا ما جال في خاطري من ظُنُون طريفة، أمّا الذي أثَقلَ قلبي من حقائق جارحة، كان تمدد الصحراء الذي بات يهدد كل مظاهر الحياة، حينها تسآءلتُ، هل الصحراء صديقة النَّاسُ أم صِنْوَ الموت؟


حين أَدْرَكَنا مُنْعَرَج النيل في (الملتقى)٣، ساد الحبور وكأننا عدنا للبَرّ من لُجّةِ البحر. أُخرِجتَ الأقدام المحشورة بين المقاعد بعد لأَّي، نزل الجميع من محبسهم للأرض الرحيبة وبنشاطِ فعلوا أشياء الحياة الأولى. فُسْحَة صغيرة عدنا بعدها للحافلة ونحن في حالِ أفضل، وتواصل إِبتهاجُنا بسبب سَيرُّنا بجنبِ النيل …ياإلهى … ما أجمل هامات النخيل، والحقول الخضراء في بَلْدات لها أسماء، صرنا نعرفها من اللأَّفِتَات، حتى رأينا كرمكول، بلد الطيب صالح التي كنتُ أظنها في جهات النيل الشرقي، نيل شندي وعطبرة وأبوحمد، وليست هنا في النيل الغربي، نيل الدبة والقولد ودنقلا. أين ود حامد إذن؟ هل هي موجودة في حقيقة هذا العالم، أم إخترعها الطيب صالح في فجر الواقعية السحرية، وبتفاصيل دقيقة ملأ بيوتها بشخصيات جاذبة بتفردها وتباينها الآثر، زاخرة بالحيوية وكأنها لاتزال تحيا في ود حامد بضفة النيل، مركز الوجود، الذي تبدأ منه الحياة وفيه تنتهي. قوة النيل في أعمال الطيب صالح لا تُضاهيها إلا حقيقة النيل في شمال السودان.


عَبرَنا النيل من الغرب إلى الشرق بكُبرِّي مدينة دنقلا، وبعد إنتهاء ضواحيها، إفترقنا عن خُضرة الوادي النضير، لنصَعُد في طريق يَشُقّ هضاباً وجبالاً غَامِقة اللون، قاسية الهيئة، كأنها قُذفت من بطن بركان ثار ضِدّ كَوكب الأرض في عَصرِ سَحيق. جبال أحَاطت ببلاد المحس والسَكّوت حتى وادي حلفا، مثل حلقات تَشَابَكَت أو تَنَاسَخَت من بعضها البعض. يَشِذّ عنها جبل عَبْرِّي، بطَّلْعَته الغَرِيبة واِستواءِ سطحه وجوانبه، فيبدو وكأنه جُلِبَ من مكان آخر. جبل وحيد، عرفته من بعيد، فهذه بلدي ومكان ميلاد أمي وأبي. الجبل والنيل والصحراء والنخيل كانوا أساس عناصر الطبيعة الأربعة في ذاكرة طفولتنا الناسخة. كان للجبل نداء سحري جاذب مثلما هو مُبتعِد وغامض، إِبتعاد أفشلَ كل مُجَاذَفات الكُشُوف الجغرافية التي قام بها قُوّاد طفولتنا في الوصول اليه، كنا كلما إقتربنا منه، نراه يتراجع مُبتعداً عَنّا، حتى يَئِسَنا وتركناه ينعم بعزلته المجيدة.

مع المَغِيْب، اِنزَوَى شُعاع الشمس، وفَضَلت أَذْياله تَسقُط هنا وتَنعكِس هناك، وبعد زَوال الشَفَّق نزلت ستائر العَتَمة، فَحَالتَ بيننا وبين الجبال التي لم تٌبهِجنا هَيْئَتُها البَتَّة، لكن التَّشَاغُلُ بها، كان أفضَل من التَّحْدِيق في جَوفِ ظلام الكون اللاَّمُتناهي.

في الليل، وقبل الوصول للمعبر في حلفا، توقفنا للمَبِيت في اِستراحة مُعسكر الشركة التي يعمل فيها قائد رحلتنا. على مَهْلَنا أخرجنا أجسامنا التي تَيَبِسَت من الحافلة، وبِمشَقَّة حاولنا السَيِّر ثانية فوق سطح الأرض، ورُوْيَداً رُوْيَداً عُدنَّا لأفعال الحياة التي خُتِمتَ بعشاءِ طَيِّب ونوم عميق تحت دفء الإستقبال وفَيِض الكرم الذي بذله الشباب المقيم في المعسكر.


مع أول أضواء الفجر تفاجئنا بِأمواجِ بحيرة السد العالي تتلاطم تحت حافة المنحدر بجنب مكان مَبيتُنا. مع إكتمال الشروق إِتسّعت آفاق المشهد البحري الخَلاَّب، وهو أول أقاليم الطبيعة التى نشاهد تفاصيله ونحن مقيمون بجانبه، فقبله، كنا سائرون ونحن ننظر زحف الصحراء المُرعِب، وبعدها إبتهجنا برؤية النيل وضِفافه العامرة، حتى إنقضَت مسيرتُنا الصبورة بين (الجبال مُنتهَّى الإستياء)٤. الآن نحن أمام البحيرة التي غمرت أرض النخيل والحقول والقرى والهضاب وأحاطَتّ بقمم الجبال، ولم تترك لنا سوى مكان للقُعود والسِكوت وتأمُلّ السماء الزرقاء وهي تهبط نحو زرقة المياه حتى يمتزجان في الأفقِ البعيد. ياترى كيف إنتظمت دورة الحياة في سيرورة أيامهم، وأين كانت البيوت ومظاهر العمران قائمة تحت هذه المياه قبل ستون عاماً؟ هل كان تهجير أهل حلفا الجارح آنذاك، أفضل من تهجيرنا الآن، أَمّ هُما سِيَّان. أسئلة وخيالات طافت وفاضت من خاطري حتى سَئِّمتُ اِجْترِار الأحزان التي لاتُشفِّي ولن تُجدّي.

بعد ليلتين من الراحة والمؤانسة خرجنا في الصباح الباكِرِ نحو حلفا، كان حالنا أفضل من الذين باتوا في العراء لأيام كثيرة، وكُنّا أيضاً أوفَرَ حظّاً منهم، إذ لم يكن بيننا من يحتاج لتأشيرة الدخول التي صار ينتظرها الآلاف حتى ضَاقَت بهم السُبُّلُ في البَرزَخ الذي مابين حلفا ومصر. هم (أهل الصُّفُّة)٥ الجُددّ، الذين يجب أن يَفرِد لهم علم الإجتماع السياسي في المستقبل، باباً في تَفرُّد وضعهم الحقوقي الذي تأرجح بين قوانين الأمم المتحدة وإتفاقية الحريات الأربع، فما نفعتهم هذه القوانين ولا نجدتهم تلك الحُريِّات. عَالِقون سيبقون حتى تنتهى الحرب.


في معبر قسطل المصري، رغم الزِحَام وَمشََاق التفاصيل الجمركية والإجرائية، أنجز ضباط وجنود الشرطة المصرية عملهم بصبرِ ومِهنيِّة رفيعة، بل كان بعضهم مضيافاً لطيفاً وكأنهم يُواسُون أهل السودان في مُصابُهم الفَادِحِ، ثم يَسَّروا لنا الدخول الى بَرّ مصر بعد أيام على خِروجنا المَرِير من ملتقى النيلين. وصلنا ميناء قسطل القريب من المعبر وإنتظرنا حتى تَمّ حَشَرُ حافلتنا الصغيرة في ظَهَر عبَّارة عِملاقة بجنبِ الشاحنات والباصات والعربات الحكومية والخاصة فأبحرت بنا لساعة حتى مدينة أبوسمبل، ومنها واصلنا المسير بِليل حتى اسوان، ولن أُعِيد القول حول السفر بالعربات الضيقة وتَبِعَاته الجَسيِمة على الأجساد المُهَلْهَلة.


في إسوان، كان مَبِيتُنا في نُزُّلِ أنيقِ شُيّد على نمط العمارة النوبية، تطِّل نوافذه على الشلال الاول ومنها يمكن أن تسمع شَرشَرة المياه وهي تصعد وتهبط فوق جَنادِل النيل، مكان لطيف ألِيف، فارقناه بِحسرة ونحن نقول، ليتنا جِئناه في زمان، غير هذا الزمان.

رحلة النِزُوح من ملتقى النيلين حتى بَرّ مصر إنتهتَ في القاهرة، المدينة التي تآلفتُ معها منذ عقود من الزمان، كانت دوماً تحتويني وتغمرني بحيوية دفاقة لا أشعر فيها بِشجنِ المنافي ولَهفة الحنين للأوطان. هذا ماكان، أمًا الان، فالقُعاد المَسِيخ طال. وتشابهت الايام الرَتِيبة وتكاثرتَ كالأرانب، إستيقظت الاسئلة المُؤَجلَّة وتَطَايَرت مثل الخَفافِيش. سَاهِمون في النهار وحين ينقضي ليل الأَرَق ننام ونصحو أمام شاشة تلفاز وهاتف، ننظر فيه للوطن (مُحترِقًا فِي مَاءٍ، غَرِيقًا فِي لَهِيب)٦. أين سنطير… وكيف سنحَمِلُ هذا العِبْءُ الْفَادِح؟


١/ أرجوزة لرؤبة بن العجاج

٢/ قصيدة النيل التيجاني يوسف بشير

٣/ نقطة التقاء وإفتراق بين طريق ام درمان دنقلا مع مروي كريمه

٤/ ابراهيم اسحق قصة اسطورة الكلب

٥/ اسم أطلق على فقراء المهاجرين الى المدينة

٦/ ديوان تشارلس بوكوڤسكي ترجمة وتقديم عبير الفقي

7 views0 comments

Recent Posts

See All

شكرا للنزوح-عبد المجيد عفيفي

وانا في النزوح الاول ۔كنت اظنها رحلة وليس نزوح۔رجعت الي بيتنا ثم نزحت ثانيه ۔وكنت اطمن نفسي بانني لست بنازح فقط ازور الاقارب ۔وزرت الاقارب وتضجرت قليلا ثم تضجرت طويلا ثم تضجرت تماماً۔۔ثم تاكدت بان هذا

Comments


bottom of page